محمد متولي الشعراوي

815

تفسير الشعراوي

ولا يظن أحد أن التقوى هي اتقاء النار ، لا ، إنها أعم من ذلك ، إنها اتقاء المشكلات والمخاطر التي تنشأ من مخالفة منهج اللّه . وليعلم الإنسان أن كل مخالفة ارتكبها لا بد أن يمر عليها يوم ترتكب فيه هذه المخالفة كما ارتكبها في غيره ، فمن لا يحب أن تجرى فيه المخالفات فعليه ألا يرتكب المخالفات في غيره . وبعد ذلك ينتقل الحق إلى قضية أخرى ، وهذه القضية الأخرى هي التي تميز الأمة الإسلامية بخصوصية فريدة ؛ لأنه سبحانه قد أوجد وفطر هذه الأمة على منهاج قويم لم تظفر به أمة من قبل ، وهذه الخصوصية هي أن اللّه قد أمن أمة محمد على أن تؤدب الخارجين على منهج اللّه ؛ فقديما كانت السماء هي التي تؤدب هؤلاء الخارجين عن المنهج . كان الرسول يشرح ويبلغ المنهج ، فإن خالفه الناس تتدخل السماء وتعاقبهم ، إما بصاعقة ، وإما بعذاب ، وإما بفيضان ، وإما بأي وسيلة . ولم يكن الرسل مكلفين بحمل وقسر الناس على المنهج . وحين سأل بنو إسرائيل ربهم أن يقاتلوا ، لم يكن قتالهم من أجل الدين مصداقا للآية الكريمة : قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا ( من الآية 246 سورة البقرة ) علة القتال - إذن - أنهم أخرجوا من بيوتهم وأجبروا على ترك أولادهم ، فهم عندما سألوا القتال لم يسألوه للدفاع عن العقيدة ، وإنما لأنهم أخرجوا من ديارهم وأولادهم . أما أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فهي التي أمنها اللّه على أن يكون في يدها الميزان ، وليس هذا الميزان ميزان تسلط ، وإنما هو ميزان يحمى كرامة الإنسان بأن يصون له حرية اختياره بالعقل الذي خلقه اللّه ، فلا إكراه في الإيمان باللّه . وقد شرع اللّه القتال لأمة محمد لا ليفرض به دينا ، ولكن ليحمى اختيارك في أن تختار الدين الذي ترتضيه . وهو يمنع سدود الطغيان التي تحول دونك ودون أن تكون حرا مختارا في أن تقبل التكليف . ولذلك فالذين يحاولون أن يلصقوا بالإسلام تهمة أنه انتشر بالسيف نقول لهم :